محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
" ولو ترى " بالتاء على الاستئناف ، لأَن قوله : " ولو ترى " قد وقع على " الذين ظلموا " . قال أبو جعفر : والصواب من القراءة عندنا في ذلك : " ولو ترى يرى الذين ظلموا " بالتاء من " ترى " إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ بمعنى لرأيت أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ، فيكون قوله " لرأيت " الثانية محذوفة مستغنى بدلالة قوله : " ولو ترى الذين ظلموا " عن ذكره ، وإن كان جوابا ل " ولو " ويكون الكلام وإن كان مخرجه مخرج الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم معنيا به غيره ، لأَن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا شك عالما بأن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ، ويكون ذلك نظير قوله : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقد بيناه في موضعه . وإنما اخترنا ذلك على قراءة الياء ؛ لأَن القوم إذا رأوا العذاب قد أيقنوا أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ، فلا وجه أن يقال : لو يرون أن القوة لله جميعا حينئذ ، لأَنه إنما يقال : " لو رأيت " لمن لم ير ، فأما من قد رآه فلا معنى لأَن يقال له : " لو رأيت " . ومعنى قوله : إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ إذ يعاينون العذاب . كما : حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ يقول : لو عاينوا العذاب . وإنما عنى تعالى ذكره بقوله : " ولو ترى الذين ظلموا " ولو ترى يا محمد الذين ظلموا أنفسهم فاتخذوا من دوني أندادا يحبونهم كحبكم إياي ، حين يعاينون عذابي يوم القيامة الذي أعددت لهم ، لعلمتم أن القوة كلها لي دون الأَنداد والآلهة ، وأن الأَنداد والآلهة لا تغني عنهم هنا لك شيئا ، ولا تدفع عنهم عذابا أحللت بهم ، وأيقنتم أني شديد عذابي لمن كفر بي وادعى معي إلها غيري . القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ يعني تعالى ذكره بقوله : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا فقال بعضهم بما : حدثنا به بشر بن معاذ قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا وهم الجبابرة والقادة والرؤوس في الشرك ، مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وهم الأَتباع الضعفاء ، وَرَأَوُا الْعَذابَ . حدثني المثنى قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا قال : تبرأت القادة من الأَتباع يوم القيامة . حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال ابن جريج : قلت لعطاء : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا قال : تبرأ رؤساؤهم وقادتهم وساداتهم من الذين اتبعوهم . وقال آخرون بما : حدثني به موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أما الذين اتبعوا فهم الشياطين تبرءوا من الإِنس . قال أبو جعفر : والصواب من القول عندي في ذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أن المتبعين على الشرك بالله يتبرءون من أتباعهم حين يعاينون عذاب الله ولم يخصص بذلك منهم بعضا دون بعض ، بل عم جميعهم ، فدخل في ذلك كل متبوع على الكفر بالله والضلال أنه يتبرأ من أتباعه الذين كانوا يتبعونه على الضلال في الدنيا إذا عاينوا عذاب الله في الآخرة وأما دلالة الآية فيمن عنى بقوله : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا فإنها إنما تدل على أن الأَنداد الذين اتخذهم من دون الله من وصف تعالى ذكره صفته بقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً هم الذين يتبرءون من أتباعهم . وإذا كانت الآية على ذلك دالة صح التأويل الذي تأوله السدي في قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً أن الأَنداد في هذا الموضع إنما أريد بها الأَنداد من الرجال الذين يطيعونهم فيما أمروهم به من أمر ، ويعصون الله في طاعتهم إياهم ، كما يطيع الله المؤمنون ويعصون غيره ، وفسد تأويل قول من قال : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا إنهم الشياطين تبرءوا من أوليائهم من الإِنس ؛ لأَن هذه الآية إنما هي في سياق الخبر عن متخذي الأَنداد القول في تأويل قوله تعالى : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ يعني تعالى ذكره بذلك : أن الله شديد العذاب إذ تبرأ الذين اتبعوا ، وإذ تقطعت بهم الأَسباب . ثم اختلف أهل التأويل في معنى الأَسباب . فقال بعضهم بما : حدثني به يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : ثنا فضيل بن عياض ، وثنا